AWSA-Belgium ASBL

       
Avec le soutien de la Communauté Française de Belgique et de la Commission communautaire française de Belgique
دفن ذات المرأة في عيدها العالمي
 

 

التضامن
Unity
قوة النساء
Women’s Power
رفع الحجاب عن العقل
Unveiling of the Mind
 
 

دفن ذات المرأة في عيدها العالمي

11-03-2007 شريف حتاتة

 

     أكتب هذا المقال احتفالاً بيوم 8 مارس , يوم المرأة العالمي . أكتبه تضامناً مع جميع النساء اللائي تسعين إلى نيل حقوقهن المهدرة من الاستعمار العالمي الجديد والأنظمة العربية التابعة لها, من قوى سياسية تتستر بالإسلام لتسكت كل صوت لا يوافق على آرائها وتريد أن تفرضها علينا باسم الخالق حتى تُبسط علينا سلطانها . قوى سياسية تغلغلت في أجهزة الدولة ومؤسساتها , في مجلسي الشعب والشورى , في وسائل الإعلام والنشر , في أجهزة التعليم والتشريع والقضاء والشرع , في القطاع المدني , والنقابات المهنية , والجمعيات الأهلية المنتشرة في كل ركن من أركان القطر .

 

     أكتب هذا المقال تضامناً مع " نوال السعداوي " ودفاعاً عن رفقة عمر دامت ثلاثة وأربعين سنة , ولأقف ضد القوى السلفية التي تريد أن تُخضعها لحكم الردة في القرن الحادي والعشرين, هذا الإجراء الذي يُؤكد أننا أصبحنا دولة دينية لا مكان فيها للرأي أو للفعل الحر . ضد قوى إجتماعية أبوية طبقية ترى أن المرأة جسد بلا عقل يجب أن يُسجن في البيت , أو أن يُصبح سلعة في السوق الحرة والملذات , أن تخضع لأوامر الرجال ونزواتهم الجنسية, أن تربي أطفالهم بينما هى محرومة من المعرفة , فلا تعرف عن التربية شيئاً . إنها قوى إجتماعية, تبدو أحياناً متناقضة, قوى معادية لحقوق المرأة وكيانها , وفي الوقت نفسه معادية لحقوق الرجل ومصالحه , متسترة بالدفاع عن كيانه الذكوري, كرسته مختلف ديانات الأرض وشرائعه , بينما الذكورية هى ضد إنسانية الرجل وسعادته .

 

   يوم 8 مارس سنة 1957 خرجت عاملات النسيج في نيويورك في مظاهرة حاشدة احتجاجاً على أجورهن وظروف عملهن المتدنية , فاعتدى عليهن البوليس بقسوة , وقبض على أعداد منهن . وبعد خمسين عاماً خرج ما يزيد عن عشرين ألف من العاملات بمسيرة في نيويورك طالبن فيها بخفض ساعات العمل التي وصلت إلى اثنى عشر وأحياناً أربعة عشرة ساعة , وبرفع قيمة المعاش الذي تحصلن عليه. كما طالبن بإيقاف تشغيل الأطفال , وحق الإقتراع في الإنتخابات . وكان الشعار الذي رفعته المتظاهرات متخذا من مقولة "ماركس" الشهيرة "الحياة تحتاج إلى الخبز والورود " .

 

     لكن عندما جاء عصر الإنفتاح الساداتي قررت الحكومة أن يكون يوم الإحتفال هو 16 مارس بدلاً من 8 مارس . فيوم 16 مارس سنة 1919 تظاهرت أكثر من ثلثمائة "سيدة" بقيادة هدى "هانم " شعراوي ضد الإحتلال البريطاني لمصر . وفي رأيي أن هذا التغير كان خطوة إلى الوراء. ذلك أن يوم 8 مارس كان يُمثل تحركاً إجتماعياً مرتبطاً بكيان المرأة ذاتها وحقوقها . هذا من جانب . كما كان بمثابة تعبير عن التضامن بين النساء على نطاق العالم الذي أحوج ما نكون إليه لمواجهة القوى الإقتصادية والعسكرية والسياسية للاستعمار خصوصاً في عصر العولمة , وهو في الوقت نفسه تطبيق لشعار فرق تسد الذي طالما لجأ إليه الحكام لإضعاف مقاومة المحكومين . بينما الإحتفال بيوم 16 مارس لم يكن تعبيراً عن الإهتمام بالمرأة وحقوقها وإنما عن الرغبة في إلحاقها كجزء من الحركة الوطنية على حساب كيانها المستقل كإنسان لها ذات ومطالب خاصة بها . في حين أن إعلاء شأنها يجعلها تُصبح قوة فعالة في المعركة ضد الاستعمار وأعوانه , ومن أجل تغيير المجتمع.

 

     إن هدى "هانم" شعراوي كانت تنتمي إلى الأرستقراطية المصرية , والدليل على ذلك أنه عندما ذهبت إليها مجموعة من النساء الفقيرات لتشتكين من ظروفهن الصعبة وإهمالهن طردتهن من مقر الاتحاد النسائي. وهذا لا يعني إنكار الدور الوطني الذي لعبته في ذلك الوقت .

   بالإضافة إلى كل ما سبق يبدو لي أن الإحتفال بيوم المرأة العالمي يجب أن يكون في الوقت نفسه احتفالاً بالمرأة الكاتبة . ذلك أن الزيادة المضطردة في عدد النساء اللائي أصبحن يكتبن في مصر في مجال الرواية , والقصة القصيرة , والشعر , وسيناريوهات الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة , وأحياناً التسجيلية, وفي المسلسلات التليفزيونية ظاهرة ملفتة للنظر بعد قرون طويلة من القهر وفي مجتمع أصابته ردة خطيرة خصوصاً فيما يتعلق بوضع المرأة والنظرة إليها. وبصرف النظر عن التفاوت في قيمة هذه المساهمات فإن إمساك المرأة بالقلم يحتاج إلى شجاعة خصوصاً إذا عبرت عن عالمها بقدر من الصدق لا يفهمه نقادنا الرجال ولا القراء إلا في حدود لم تتسع بعد , لأنه جديد عليهم , ويتعارض مع مقايسهم النقدية الأبوية الموروثة .

 

     المرأة بحكم قهر المجتمع وتهميشه لها وتعامله غير الإنساني مع مشاعرها وأفكارها  فرض عليها نوعاً من الإنطوائية والخوف من التعبير . لكن من الناحية الأخرى ربما في هذا ميزة لأنها تعبر عن تجربة خاصة بها لم يعشها الرجال, لكن أيضاً لأن الإنطواء في أحيانِ كثيرة يولد التأمل ويقود إلى التعمق في أشياء كثيرة تتعلق بالحياة , خصوصاً أن المرأة الكاتبة, والمرأة عموماً لا تعيش كثيراً في العالم الخارجي , ولا تخضع لتأثيراته بالقدر الذي يخضع لها الرجال .

 

    في السنين الأخيرة زاد الطابع "الذاتي" في الكتابات الروائية والقصصية والأدبية عموماً , وهذا على نطاق العالم , ربما بسبب قهر العولمة الرأسمالية المتزايد في حياة الناس , وحرمانهم من وسائل التعبير عن أنفسهم . كما أن الذاتية ظاهرة ملحوظة في كتابات النساء , ومن بينهن كتابات المصريات . ولذلك يعاملهن الكثيرون من النقاد العرب بإزدراء , ويصفون أعمالهن بأنها إرهاصات أدبية, أو بدايات ساذجة , أو محاولات ليس فيها أركان الكتابة الروائية والقصصية الناضجة , هذا إذا لم ينجذب الناقد إلى الكاتبة لأسباب آخرى لا علاقة لها بالإبداع .

 

   في هذا العصر أصبحت العلاقة بين الرجل والمرأة الشغل الشاغل للكثيرين من الرجال الكتاب, بصرف النظر عن الجدية في هذه النظرة وعمقها . خصوصاً فيما يتعلق بالجنس والجسد. فقد قفزوا على هذا المجال لأنه يصعب عليهم أن يتركوا أي شيء يفلت من سيطرتهم, حتى وإن كان مجال المرأة الذي لا يعرفون عنه الكثير بحكم تكوينهم .

 

   إن إبداع المرأة تُهدده مخاطر كثيرة لن تستطيع النساء الإفلات منها إلا إذا تسلحن بالشجاعة المعنوية وبالصدق في التعبير عن أنفسهن مهما كان الثمن .

 

شريف حتاتة

 
 
Dernière modification : 06.05.2007